فوزي آل سيف
170
صفحات من التاريخ السياسي للشيعة
3- الاهتمام بالتفوق النوعي: فلا ينبغي الاكتفاء بنصف الأشياء.. والتوقف، في المجال الطبي، الهندسي، التقني، التجاري، إذا قال ذلك الشاعر (لنا الصدر دون العالمين أو القبر) مفتخرا، فينبغي أن يقول الواحد منا ذلك من موقع النشاط والهمة. وهذا ما صنعته بعض الأقليات فقد ذكروا أن الأمريكيين من أصل آسيوي كانت نسبتهم في أمريكا 2٪ فقط.. لكن رؤساءهم قرروا أن يكون لهم دور كبير في الساحة الأمريكية، فخططوا لكي يتفوقوا في التعليم والبحث العلمي، فأصبحوا يسيطرون الآن على 20٪ من التعليم العالي ومراكز البحوث العلمية! وهذا يعني أنهم قد تحولوا نوعيا إلى عشرة أضعاف عددهم، ومن المثير للانتباه أن نفس هذه النسبة قد طلبها القرآن الكريم من المسلمين، أن يتجاوزوا قلتهم العددية بتفوقهم النوعي حتى يصبح الواحد منهم بمقدار عشرة من غيرهم: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا }([221]). 2- تضخم الشعور بالمظلومية وآثاره السلبية: وقع ظلم كبير على أئمة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم على مدى الزمان وصفحات التاريخ خير شاهدا على ذلك وتفننت الدولة الأموية والعباسية بتلك الممارسات على الأئمة أولا وشيعتهم ثانيا ولم يقتصر الأمر على هاتين الدولتين وإنما استمر حتى الوقت الحاضر وإن اختلفت النسبة وتغيرت الأساليب. من الناحية الرسمية كان معاوية بن أبي سفيان هو السابق إلى (تشريع) ذلك الظلم و (تقنينه) بحيث صدر في عهده عدد من المراسيم التي جعلت تلك الممارسات الظالمة سياسة متبعة، لذلك فقد منع عطاء كثير من الشيعة من بيت المال بل محى أسماءهم من الديوان([222]).
--> 221 ) الأنفال:65. 222 ) الدرجات الرفيعة، السيد علي ابن معصوم المدني ص5: روى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي يوسف المدايني في كتاب (الأحداث) قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممن روى شيئا<من فضل أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منير يلعنون عليا>ويبرؤن منه. ويقعون فيه وفى أهل بيته، وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي عليه السلام، فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضم إليها البصرة، وكان يتبع الشيعة وهو بهم عارف لأنه كان منهم أيام علي عليه السلام فقتلهم تحت كل حجر ومدر وأخافهم وقطع الأيدى والأرجل وسمل العيون وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشردهم من العراق، فلم يبق بها معروف منهم وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق: أن لا يجيزوا لأحد من شيعة على عليه السلام وأهل بيته شهادة. وكتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل بيته والذين يروون فضائله ومناقبه، فادنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم واكتبوا إلى بكل ما يروى كل رجل منهم، واسمه واسم أبيه وعشيرته، ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطايع، ويفيضه في العرب منهم والموالي فكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا فليس يجئ أحد بخبر مردود من الناس عاملا من عمال معاوية فيروى في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه وقربه وشفعه، فلبثوا بذلك حينا ثم كتب إلى عماله: إن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفى كل وجه وناحية فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضل الصحابة والخلفاء الأولين ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبى تراب إلا وأتوني بمناقض له في الصحابة، فان هذا أحب إلي وأقر لعيني وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله فقرئت كتبه على الناس فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها وجد الناس في رواية ما يجرى هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر وألقى إلى معلمي المكاتب، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم فلبثوا بذلك ما شاء الله تعالى، ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان انظروا من قامت عليه البينة انه يحب عليا<وأهل بيته فامحوه من الديوان واسقطوا عطاءه ورزقه وشفع ذلك بنسخة أخرى، من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره. فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة، حتى إن الرجل من شيعة علي عليه السلام ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقى إليه بسره ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الإيمان الغليظة ليكتمن عليه، فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء القضاة والولاة، وكان أعظم ذلك بلاء القراء المراؤون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقربوا مجالسهم ويصيبوا به الأموال والضياع، حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب فقبلوها ورووها وهم يظنون أنها حق، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها. ولم يزل كذلك حتى مات الحسين بن علي عليه السلام فازداد البلاء والفتنة، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلا خائف على دمه أو طريد في الأرض. ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسين عليه السلام وولى عبد الملك بن مروان فاشتد على الشيعة، وولى عليهم الحجاج بن يوسف فتقرب إليه أهل النسك والصلاح والذين يبغضون عليا عليه السلام ويوالون أعداءه فأكثروا من الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم وأكثروا من الغض من علي عليه السلام وعيبه والطعن فيه والشنآن له حتى أن إنسانا>وقف للحجاج، ويقال انه جد الأصمعي عبد الملك بن قريب فصاح به: أيها الأمير إن أهلي عقوني فسموني عليا وإني فقير بائس وإنا إلى صلة الأمير محتاج فتضاحك له الحجاج وقال: للطف ما توسلت به وقد وليتك موضع كذا.